الشيخ محمد جواد البلاغي
248
الهدى إلى دين المصطفى
نحن فتنة فلا تكفر ) ( الآية ) . فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 20 - 23 ) على ذلك بوجوه . أحدها : إنه لم يكن في عهد سليمان شياطين يعلمون الناس السحر . قلت : لا ينبغي للكتابي المتتبع لكتبه أن ينكر وجود الشياطين ، ولا ينبغي أن ينكر تصديهم لإضلال الناس وتعليمهم الضلال بكل نحو ، أفلا ينظر المتكلف أقلا إلى ما في العهد الجديد وقوله في الدجال الذي مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة ( 2 تس 2 ، 9 ) على أنه يجوز أن يراد من الشياطين شياطين الإنس ، كما حكي عن المسيح أنه قال لبطرس : إذهب عني يا شيطان ( مت 16 ، 23 ) وسمي يهوذا الاسطحريوطي شيطانا ( يو 6 ، 70 و 71 ) . ثانيهما : ادعى أن مراد القرآن أن الله أنزل السحر على الملكين ، فأخذ يقول : حاشا المولى أن يصنع عثرة لبني آدم بأن يقيم معلمين خصوصيين لتعليم الناس الضلال . قلت : لا يدل القرآن الكريم على أن المنزل على هاروت وماروت هو السحر الممحض للضلال ، بل إن سوق القرآن وخصوص عطفه على السحر ظاهر في أنه شئ مقابل للسحر فيكون من الأسماء الفعالة في الخير والشر ولذا كان الملكان يحذران من يعلمانه ويقولان له : إنما نحن بما عندنا فتنة وامتحان فلا تكفر باستعمال ما نعلمك في الشر كما تفعل بالسكين المعمولة لمنافع البيت فتستعملها في قتل النفوس المحترمة ، وكالسموم المخلوقة للمنافع تستعملها في إهلاك النفوس فيتعلمون منهما ما يستعملونه بضلالهم في التفرقة بين المرء وزوجه ، ولا يستعملونه في منافعهم ، بل يتعلمون ما يعقبهم الضرر بغوايتهم ولا ينفعهم حيث رغبوا عن منافعه إلى اقتراح أهوائهم وضلالاتهم ، هذا هو مقتضى دلالة القرآن الكريم ومقتضاه أن هاروت وماروت لم يكونا ضالين ولا مضلين ، بل لا يعلمان أحدا حتى ينبهانه على وجه الامتحان ويحذرانه عن الضلال والكفر ، كما